بقلم الدكتور ذو الفقار عبود: الخطر البنيوي للنيوليبرالية الاقتصادية

2021-01-25 20:41:22

سادت الليبرالية الكينزية (نسبة للمفكر الاقتصادي الإنجليزي جون مينارد كينز) في الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية ولغاية سبعينيات القرن العشرين، حيث يرى الفكر الليبرالي الكينزي ضرورة تدخل الحكومات في السوق لاحتواء النتائج السلبية لسياسات الشركات والمؤسسات على الاقتصاد والمجتمع، ولا سيما سياسات الخصخصة وامتلاك الشركات الكبرى أصولاً تفوق أصول دول بأكملها، إضافة إلى تخلي الحكومات عن دورها في تأمين الرفاه الاقتصادي للمجتمع، بما ينعكس على عملية صنع القرار السياسي في الدولة وبالتالي على مستويات العمل الحكومي كافة.

وقد استمرت النظرية الكينزية الليبرالية (Liberalism) طوال الفترة التي تولت فيها الحكومات الرأسمالية مهمة التدخل الضروري في السوق عند تجاوز حرية الأسواق للأدوار المرسومة، إضافة إلى مهمة إدارة قطاع الخدمات من صحة وتعليم واتصالات ومواصلات.
وقبل فترة السبعينيات من القرن الماضي، لم يكن وارداً المناداة بنقل ملكية الدولة للقطاعات الخدمية الحيوية إلى القطاع الخاص، لأنها قطاعات تمسّ حياة المواطن العادي الذي هو محور الإنتاج والاستهلاك في النظام الرأسمالي، لكن فترة سيادة النظرية الكينزية في الاقتصاد، كانت تشهد مساعٍ حثيثة من قبل مراكز الدراسات وجماعات الضغط الممولة من ملاك الشركات الأثرياء للعمل على تشويه الليبرالية الكينزية، والترويج لنظرية جديدة تحت اسم النيوليبرالية (Neoliberalism)، فتم إنشاء مئات مراكز الدراسات والأبحاث للترويج للنظرية، ونجح مروجو النيوليبرالية في إدراجها في خطة عمل الحكومة الأميركية في عهد الرئيس الجمهوري رونالد ريغان في بدايات الثمانينيات من القرن الماضي، الذي تبنى هذه العقيدة التي تتغنى بمنح الحرية المطلقة للسوق في تنظيم أعماله دون قيود، من خلال نقل المسؤولية التنظيمية للسوق من الحكومة إلى أطراف السوق (قوى العرض وقوى الطلب) وسيؤدي التفاعل الإيجابي بينهم إلى خلق وعي تحديد مصلحة كل طرف منهم، وبالتالي تحديد ما هو الجيد وما هو السيء في السوق، ونقل هذا (التفاعل الواعي) تباعاً من السوق إلى المجتمع وإلى قطاع الخدمات الحيوية، وصولاً إلى تخلي الدولة عن دورها في تحقيق الرفاه الاجتماعي، وخصخصة الكثير من القطاعات الحيوية التي تملكها وتديرها الدولة ونقل ملكيتها إلى القطاع الخاص.
أدى تبني الاقتصاد الرأسمالي الأميركي للعقيدة النيوليبرالية بعد عشر سنوات (تسعينيات القرن الماضي) إلى زيادة دخل الشريحة الثالثة من الأميركيين الأكثر ثراء (يقدرون بنحو عشرة بالمئة من مجموع الأميركيين) بنحو 16%، وارتفاع دخل الشريحة الثانية الأكثر ثراء (يقدرون بنحو خمسة بالمئة) بنحو 23 %، وارتفاع دخل الشريحة الأولى من الأميركيين الأكثر ثراء (يقدرون بنحو 1 بالمئة فقط من الأميركيين) بنحو 50%.
أما باقي شرائح الأميركيين، فقد انخفض دخلهم السنوي نزولاً كلما انحدرت النسبة المئوية، بحيث انخفض دخل الأميركيين الأكثر فقراً (يقدرون بنحو 10% ) نحو 15%، ثم اتسعت الفجوة بين الأميركيين الأكثر ثراء من الشريحة الأولى (نسبتهم 1%) وبين الأميركيين الأكثر فقراً (نسبتهم 10%) ليحقق الأثرياء زيادة في الدخول بنحو (115) ضعفاً ما يحققه الفقراء من دخول، وأدى ذلك إلى تعاظم ديون الأفراد الأميركيين من الطبقات الوسطى والدنيا، بحيث وصل إجمالي تلك الديون إلى (14) تريليون دولار في العام 2019، وبما يزيد على 60% من حصة الفرد الأميركي من الناتج المحلي الإجمالي، ووفق دراسة نشرت في نيسان 2018 فإن عدد الأميركيين الذين يتعاطون مضادات الاكتئاب هم نحو 25 مليون أميركي بزيادة 60% عن سنة 2010 وأن من يتعاطون المخدرات بلغوا 15 مليوناً بزيادة 100% عن سنة 2010، فالنيوليبرالية جلبت الحضارة المادية والاستهلاكية والمليارات للأثرياء، والتعاسة والديون لبقية أفراد الشعب، والعجوزات للدول وفقدانها سيادتها الاقتصادية وبالتالي السياسية.
لقد قادت السياسات الاقتصادية والاجتماعية المرتكزة إلى العقيدة النيوليبرالية إلى هيمنة الأثرياء على صنع القرار السياسي الأميركي وعلى المستويات كافة، ولم يصل إلى رئاسة الولايات المتحدة (منذ ثمانينيات القرن الماضي) رئيساً لا يمثل مصالح وتوجهات الشركات العملاقة عابرة الجنسيات والقارات.
واليوم تبدو أبرز نتائج تبني العقيدة النيوليبرالية في تضاعف أعداد الوفيات بجائحة كوفيد نتيجة تدني مستوى الرعاية الصحية في الدول التي تطبقها، نتيجة لسياسة تخلي الدول عن مهامها في إدارة برامج الرعاية الصحية.

وفي بريطانيا كذلك، تبنت حكومة مارغريت تاتشر العقيدة النيوليبرالية في نفس فترة تبنيها في الولايات المتحدة، وساد السيناريو الأميركي نفسه، أي اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وهيمنة البريطانيين الأكثر ثراء على القرار السياسي، وتبعتها العديد من الدول تحت ضغوط سياسية واقتصادية أميركية، أو استجابة لشروط وسياسات صندوق النقد الدولي (الأداة الأميركية الرئيسة لعولمة النيوليبرالية)، وهذا ما أعطى الولايات المتحدة نفوذاً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً دولياً، فقد استطاعت من خلال النيوليبرالية أن تربط العالم باقتصادها وعملتها، وأصبح البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي وسوق وول ستريت مركزاً للاقتصاد العالمي، وأصبحت التعاملات المالية العالمية بين دول العالم تمرّ عبر النظام الاقتصادي الأميركي، الذي تستخدمه في فرض عقوبات اقتصادية أحادية الجانب على الدول.
بالنسبة للدول النامية، كانت النتيجة الحتمية للسياسات النيوليبرالية مشابهة، من سوء الواقع الاجتماعي والسياسي، ففي الأردن مثلاً، تبنت الحكومة السياسات النيوليبرالية تنفيذاً لشروط صندوق النقد الدولي، فباعت الدولة أصولها، وتخلت عن الرفاه الاجتماعي، وانخفض دخل الفرد وازدادت ديون الحكومة.
وتتبع حكومة دبي اليوم منهج حكومة نيويورك الأميركية نفسه، لتتحول دبي إلى حكومة/ شركة، رغم أن نيويورك شهدت أكبر معدل إصابات ووفيات بفايروس كورونا بسبب فشل نظام الرعاية الصحية، وكل المؤشرات تدل على أن أنموذج دبي الاقتصادي يسير على النهج نفسه: ديون متراكمة، واستثمار أجنبي غير منتج، وتفاقم للأزمات، حتى المملكة العربية السعودية قررت تبني الأنموذج نفسه رغم ثبات فشله عالمياً، وذلك تنفيذاً لإملاءات أميركية، ويبدو أن إنشاء وزارة للسعادة في الإمارات أو هيئة للترفيه في السعودية لن يحل مشكلة النيوليبرالية البنيوية.
وفي مصر التي تعيش مرحلة النيوليبرالية المتوحشة بكل بشاعتها وقسوتها يؤدي التوسع في سياسة بيع أراضي الدولة والتأخر في توصيل مرافق لها، إلى زيادة دراماتيكية في الاقتراض الخارجي والمحلي، وخضوع لشروط وابتزاز المؤسسات المالية الدولية ولا سيما صندوق النقد الدولي، إضافة إلى تعويم الجنيه وانخفاض سعر صرفه مقابل الدولار، وبالتالي حدوث موجات تضخمية يترتب على إثرها تهاوي الطبقة الوسطى، وانضمام ملايين الفقراء والموظفين إلى دائرة الفقر والعوز والضياع، توحش لا يرحم الطبقة الوسطى قبل الفقيرة والمعدمة، ومن نتائجه المباشرة حدوث قفزات في معدلات الفقر والبطالة والأمراض الاجتماعية والطلاق، وتآكل في الثروات الوطنية وتراجع لمعدلات الادخار، ولذلك فإن رفضنا للنيوليبرالية ليس موقفاً أيديولوجياً ولا حتى موقفاً فكرياً مسبقاً وإنما مرده خطورة السياسات النيوليبرالية التي تدمر اقتصادات العديد من الدول ومنها الدول العربية سابقة الذكر.
وعلى الصعيد المالي، تدعو النيوليبرالية إلى تخفيف القيود التشريعية على النظام المالي، وتشجيع المبادرات التشريعية الذاتية (غير الملزمة) على مستوى التصنيع والتكنولوجيا، مع التركيز على التعاملات على مستوى العقود، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التعاملات، كما تبشر النيوليبرالية بما تسميه الابتكار المالي أو الهندسة المالية من خلال المشتقات، فتنامت عدد التعاملات في المشتقات وأنواعها أضعاف ما كانت عليه قبل النيوليبرالية، ما أدى إلى ازدياد الفارق بين النمو الاقتصادي الحقيقي والنمو في التعاملات المالية عالية الخطورة نتيجة المضاربة، والتي لا تساهم في الاقتصاد الحقيقي، ما أدى إلى تبخر الكثير من الاستثمارات خلال الأزمة المالية العالمية.
لقد أصبحت مصداقية العقيدة النيوليبرالية في الأسواق المتحررة من القيود، باعتبارها أكثر الطرق جدارة بالثقة إلى الرخاء المشترك، في حالة موت إكلينيكي، وهذا ما يجب أن يكون، فتزامن اضمحلال الثقة في النيوليبرالية والديمقراطية الغريية ليس من قبيل المصادفة أو مجرد ارتباط أو علاقة متبادلة، فقد ظلت العقيدة النيوليبرلية والديمقراطية الغربية أذرعاً للغرب لمد سيطرته على أصول ومقدرات دول العالم لمدة أربعين عاماً.
انطلاقاً مما سبق فإننا كسوريين من واجبنا فضح النظام النيوليبرالي الذي يستغل كل شيء يُمكن أن يُستغل في ممارسة الانفلات، مثل المشاعر والتواصل والنزعة الاستهلاكية، فداخل النظام النيوليبرالي، تولد مجموعة من الانفلاتات، التي ينبغي أن تكون بمقتضى تعريف الحرية، إكراهات جديدة تستخدم السياسات السيكولوجية لتخدع الذات لاستعباد نفسها بنفسها.

دكتور في الاقتصاد والعلاقات الدولية- جامعة طرطوس

#شارك